السيد رضي الدين بن محمد الموسوي العاملي المكي
109
تنضيد العقود السنية بتمهيد الدولة الحسنية
السلام ، بين أهالي المدينة وبين حرب وبني علي . وسبب ذلك : أنّه لمّا تغلّب قبائل حرب على سكّان المدينة ، واستذلّوهم واستتبعوهم ، حتّى آل الأمر إلى أنّ الحربي إذا دخل المدينة وأراد إمضاء أمر لم يناقضه فيها أحد ، بسبب شيخ حرمها أيّوب آغا وأتباعه من الأغاوات ، وذلك من وجهين : الأوّل : فلصداقة ومودّة أكيدة ، كانت بينه وبين شيخهم مبارك بن مضيان المتقدّم ذكره في قضية السيّد عبد المعين الهجاري ، فاقتضى ذلك تعضيده لهم على الرعيّة وغيرهم . وأمّا الثاني : فلكون حبوبهم الواصلة إليهم من مصر في كلّ عام هم وصّالها إليهم ، وممرّها عليهم ، فكثر فسادهم ، وزاد طغيانهم ، فخربت المدينة وأطرافها ، وصار النهب والأخذ بخوارجها ليلا ونهارا . فلمّا عظم عليهم الحال ، وتزائد الوبال ، ثارت العامّة عن يد واحدة ، وعضدوهم العساكر ، وتبعهم شيخ الحرم المذكور ، وجميع الأغاوات وعبيدهم أيضا رغما على أنوفهم ، خوفا من أن تلحقهم العامّة حربا وبني علي ، وتعاهدوا جميعا على ضبط المدينة وأطرافها ، وأن يسلكوا فيها بمقتضى الوجه الشرعي في جميع الأحوال ، وأن لا يمكّنوا عربيا من دخول المدينة بسلاحه ، وسدّوا جميع الطرق الخارجة عن السور ، ولم يبقوا إلّا طريقا واحدا . وتولّوا بأنفسهم ضبط المدينة ليلا ونهارا ، حتّى صار الحربي وغيره من العربان في غاية الذلّة ، وجرت عليهم أحكام عمّال شريف مكّة المعظّمة ، وصاروا يسلمون ما عليهم من الجوائز بحسب القانون الأصلي ، وصلحت المدينة ، وتهذّبت أطرافها ، وارتخت أسعارها .